الأعمى الذي هزمني

كنت في بيت صديقي نلعب ألعاب الطاولة مع بعض الرفاق، عندما قالوا لي إنه سيأتي صديق جديد! تحمّست فكلّما زاد عددنا زاد المرح. 

وصل صديقه, فتفاجأت عندما رأيت هذا الشاب المفتول العضلات, الأنيق اللباس. دخل لابساً نظّارات شمسيةـ وحاملاً العصا التي يحملها العميان. لم أسأل، ولم أُقحم نفسي في شؤون هذا الشاب. لكن رحّبت به، وجلسنا، ثمّ قرّرنا أن نلعب لعبة “كاتان” جهّزنا الأوراق والطاولة، وعندها اتّضحت الصورة؛ كان أصدقائي يشرحون له موضع كلّ ورقة, والأرقام التي عليها, والشاب يركّز معهم. إنه بحقّ لا يَرى! لكنّه يسمع ويعرف ويتذكّر. وعندما ينسى لا يخجل أن يسألهم. 

ثم بدأت اللعبة؛ وضعَ مقرَّه, ووضعتُ مقرّي، وكذلك وضع أصدقاؤنا مقرّاتِهم, وبدأنا نتنافس في اللعب، إلى أن اتّضح أنّ هناك لاعبين متقدمان على الجميع. أنا والأعمى! أرمي النرد, أسحب بطاقتي, أبني طريقاً أو مدينة على الطاولة, أتبادل البطاقات مع باقي اللاعبين، وهو يفعل الشيء ذاته، تقول القواعد إنّ اللعبة تنتهي عندما يجمع لاعبٌ 10 نقاط, وعندما كنا على 9 نقاط أنا وهو، استطاع أن يسبقني ويحرز النقطة العاشرة، وفاز علينا جميعا!

بعدها لعبنا أكثر من مرة, لكن لم تغبْ عن ذهني صدمةُ تلك اللعبة الأولى. لعبة الطاولة  التي هزَمَنا فيها أعمى. 

فكَّرتُ كيف هنا, في بلاد الغرب, يهتمّون بذوي الاحتياجات الخاصّة, فإشارات المرور عندما تفتح لعبور المشاة, تصدر صوتاً مميزاً، وتبدأ عدَّاً تنازليّاً ليعرفوا متى يُسمَح بالعبور, وفي القطارات نجد أنواعاً مماثلة من المساعدات، وعلى محطّات الباصات لوحاتٌ عليها لغةُ “بريل” الملموسة تسمح لهم بمعرفة الباصات القادمة والذاهبة، وكلّ ذلك يقومون به باستقلاليةٍ كاملة! هذه المساعدات سمحت لصديقي الأعمى بأن يذهب إلى النادي الرياضي ويعود بدون مساعدة, وكذلك الى بيت صديقنا. وشرح بسيط من أصدقائي -فقط بإخباره ما على الطاولة من أوراق- سمح له بأن يهزمنا في اللعب!

توقّفت أفكّر, لماذا ليس لدينا مثل هذه الاشارات في بلادنا؟ لماذا لا نساعد ذوي الاحتياجات الخاصة على العيش بطريقة مستقلّة؟ تمعّنت في الأمر, واستنتجتُ أنه في بلادنا الأم من الأفضل أن يكون الشخص أعمى! بل لدى ذوي الاحتياجات الخاصّة عندنا حقوقٌ أفضل من الحقوق في بلاد الغرب! فعندنا يوجد شبكة عائلات وعلاقات وأصدقاء، ودوائر إدارية يمكنها أن تساعد الشخص الأعمى حتى بأن يحصل على رخصة قيادة سيارة!

بلى, الأفضل أن أكون من ذوي الاحتياجات الخاصّة في بلدي، لأنه يمكنني بدون القراءة أو الكتابة أن أنال العلامة التامّة في امتحاناتي! يمكنني بدون أن أضطرَّ بالجهد والتنافس مع الناس الذي وهبهم الله صحّةً جيّدة أن أحصل على وظيفةٍ محترمة, وتأتي لقمة العيش إليَّ حتى دون أن أكافح لنيلها! بلى، نحن نعرف كيف نساعد ذوي الاحتياجات أكثر بكثير من الغرب!

لكن يا أصدقائي, أرى أنه من الأفضل هنا في الغربة أن أكون –كإنسان- متمتّعاً بنعمة جسمٍ لا ينقصه شيء, فمن يعيش هنا، عليه أن يثبت -بعمله وجهده- أنه يستحقُّ اللقمةَ التي تسدُّ الجوع.