غرفة المشي

اليوم، كان رئيس شركتنا قادماً لزيارة مكتبنا المحلّي المتواضع. لذلك غالبية الموظفين -على أمل ترك انطباع جيد- تخلّوا عن امتيازات عملهم من المنزل عبر الشبكة، وجاؤوا الى المكتب ليحظوا بفرصة مقابلة أحد أهمّ الأشخاص في حياتهم المهنية.

أنا -بصفتي كالمتمرّد الحرّ الواقف ضدّ ممثّلي السلطة- أتيت أيضاً بغية ترك انطباع جيد أمام رئيس الشركة! آملا أن يساعد ذلك في حصولي على الترقية التي وُعدتُ بها. لكن، كعادتي المزمنة في التأخّر, وصلتُ بعد أن استولى زملائي الأكثر التزاماً بالمواعيد على جميع مكاتب العمل، لكن من حسن حظّي، لم يكن الرئيس قد شرّفنا بحضوره بعد.
ماذا عليَّ أن أفعل مع عدم وجود مكان للجلوس؟ العمل واقفاً بالطبع!

والأفضل من ذلك، أنّه توجد في مقرّنا غرفةٌ في داخلها جهازٌ للمشي، وهذا ما يسمح لي بالعمل ليس جالساً، ولا واقفاً، بل ماشياً! كم هو رائع أن أحافظ على نشاطي وأحرق بعض السعرات الحرارية أثناء قيامي بواجباتي الوظيفية. لا يوجد استخدامٌ أفضلَ لوقتٍ كان جسمي سيبقى خاملاً فيه إلا بالعمل من جهة، وممارسة نشاطٍ صحيٍّ من جهة أخرى! ليس فقط يمكنك أن تتمتعَ بالتوازن بين العمل والحياة، بل يمكنك إحضار الحياة والعمل والرياضة والوجبات والاسترخاء إلى مكتب العمل بالجملة!

يا له من أسلوب حياة بديل صحيّ. أسلوب حياة أستغلُّ فيه كلّ لحظة على أكمل وجه؛ من جهة ذهني يحلّ مشاكل تقانية حاسوبية, ومن جهةٍ أخرى جسمي في حالةٍ نَشِطةٍ تساعدني على التخلّص من الوزن الزائد والحفاظ على نظامٍ صحيٍّ للقلب والأوعية الدموية.

بدأت أتساءل، ما الذي يمكنني فعله أكثر في هذه الغرفة؟ يجب أن أتأكّد من إثارة إعجاب الرئيس بمدى كفاءتي في استغلال وقتي، فكما يقولون: الوقت هو المال، ومن المؤكّد أنه يحبّ المال. إذاً كيف يمكنني أن أستثمر كامل وقتي؟

بدأ هذا التفكير يلحّ عليّ؛ فكلّ ثانية من اليقظة أضيّعها في مساعٍ غير مثمرة كالتسكّع أو الانخراط في الأكل بدلاً من إنتاج ثروة، وكل مشاركة في أنشطةٍ سخيفة باسم الراحة والاسترخاء بدلاً من بناء “سي في” عملاقة، تعتبر خسارة.

أعني، في كلّ دقيقة أقضيها مستلقياً على السرير راضياً تماماً عن وضعي الراهن، هناك رجل يعمل من غرفة جهاز المشي! كيف يمكنني المنافسة!

خطرت لدي فكرة؛ يمكنني مثلاً أن أبدأ بزيادة سرعة جهاز المشي. بهذه الطريقة يمكنني الحصول على المزيد من الخطوات أثناء العمل!
بدأت أركض, وألهث, وأنا أحرق المزيد من الوزن, وقلبي ينبض, وبالتزامن أنا أمارس عملي، وفكري يطالبني بالمزيد؛ “ماذا يمكنني أن أفعل أيضاً؟ لا يبدو أن بإمكاني أن أُنجز أكثر. ربما أستطيع أن أدرس مقرّراتي الجامعية أثناء عملي بطريقةِ دراسة يطلق عليها اسم “التعلم المنتشر”، هذا يحدث عندما تستمع الى كتب ومحاضرات وتسجيلات وأنت غير منتبه إلى ما يقال. لكن تأْملُ فقط أن يختلسَ سمعُك ما يكفي من الكلمات المسموعة لتكوين فكرة عامّة حول ما تحاول دراسته. ربما في المرّة القادمة التي تقوم فيها “بالتعلم المنتشر”، يمكن أن يسترق سمعُك المزيد من الكلمات والمعلومات. حتى تصبح شبه فاهمٍ لما تدرسه! لذا، بدأت أستمع إلى المحاضرات، وقمت بتشغيلها على الشاشة الأولى لمكتب المشي أثناء الهرولة على الجهاز، بالتزامن مع العمل على استكشاف المشكلات التقنية وإصلاحها لزملائي على الشاشة الأخرى. وهكذا شعرت بأنني بدأت أستثمر وقتي بشكل منتج.

آخ أيتها الساعة, وعقربيك, وما يمثلان من القبح! ما أقبح الزمن! ، بما أنني أدرس في عامي الأوّل في الجامعة الآن، وعمري ثلاث وعشرون، فإنّ زملائي الذين هم في عمري ذاته بدأوا في التخرج! كم هو مخجلٌ بالنسبة لي أن أتخلّف عن زملاء الدفعة إلى هذا الحدّ! ما هو عذري بعدم تخرّجي معهم! قضيت كلّ هذا الوقت منذ أن كان عمري تسعة عشر عاماً أفعل شيئاً واحداً في زمنٍ واحد بدلاً من العمل من غرفة المشي! ما هذا الإسراف بوقتي! كيف يمكنني استعادة كرامتي!

في واقع الأمر، كم نحن مخجلون جميعاً! عندما كان عمري تسعة عشر عاماً، كنت أفعل شيئاً واحداً وراء شيءٍ آخر. قبل ألفين ونصف ألف عام، كان هناك شاب آخر يبلغ من العمر 19 عاماً، وهو في نفس عمري تماماً. بدأ غزوه للإمبراطورية الفارسية!

هل عقد الإسكندر المقدوني اجتماعاته مع قادة جيشه في غرفة المشي؟ من الأكيد أنه فعل هذا!

في واقع الأمر، بينما كان الإسكندر يتلقّى تعليمه على يد أرسطو في طفولته. كنت لا أزال في روضة الأطفال! ما هذا التبذير؟ كان من الممكن أن أدرس على يد أحد أعظم فلاسفة العصر المعاصر بدلاً من تعلّم عدّ الأرقام من الواحد الى العشرة! لماذا لم أفعل هذا؟ لما أضعت وقتي؟ والآن، بدلاً من غزو العالم المعروف وأنا في الثالثة والعشرين، أنا مجرّد تقاني حاسبي في مكتب محاسبة، أعمل من غرفة جهاز المشي!

يا لَلسخف, يا للعار! يا لها من مضيعة لقدراتي! عليّ أن أصحّح سلسلة الأحداث التي أودت بي إلى عدم استثمار أقصى إمكانات الإنجاز الإنساني! فمن سيتذكر هؤلاء الحمقى خارج هذه الغرفة، أولئك الذين يعملون من مكاتب ثابتة. مضيّعين وقتهم الثمين بالجلوس، والقيام بشيء واحد في وقتٍ واحد، ثم الذهاب إلى استراحات الغداء، واستراحات الحمام، جالسين خامدين مملوئين بشعور السعادة والرضا عن حياتهم التي يقضونها بالرضى! كلا! أريد أن أترك بصمتي على التاريخ. أريد ان يكتب الشعراء عن اسمي لقرون! لا أريد أن ينسوني كما نسوا كلّ من لم يعمل من غرفة المشي!