تم القبض على جردلينو بانتوك وبحوزته منشورات معادية للدولة تهدف لتقويض النظام. اقتادوه للسجن، ثم عرضوه على المحكمة التي حكمت عليه بأن يعيش حراً، يقول رأيه كيفما يريد، ومنحته مرسوماً مختوماً بالحكم. كل ذلك جرى بسرعة، لم تتجاوز مدة الاعتقال والسجن والمحكمة بضع ساعات. خرج حراً على عكس توقعاته وتوقعات رفاقه الذين ما إن سمعوا الخبر حتى توجهوا إلى منزله لتقديم واجب العزاء لأسرته، إذ كان من المؤكد _في العادة_ أنه لن ينجو.
خرج يتمشى في الشوارع بإحساس غريب من الحرية المغلفة بالشك. كان يتأمل المرسوم في يده، ويراجع أدق التفاصيل بحثاً عن أي ثغرة. توقف عند تجمع كبير للناس، سحب طاولة من مقهى قريب، لم يهتم بسبب ذلك الحشد، كل ما رغب فيه هو اختبار إحساس الحرية لأول مرة. صعد فوق الطاولة وخاطبهم:
“أيها الناس، إنكم لفي غفلة، تتجمعون محتجين على توافه الأمور، بينما تهملون عدوكم الحقيقي. ما يحدث ليس سوى سيرك لتنفيس غضبكم في غير مكانه، وجهوا غضبكم نحو…”
قاطعه رجل أصلع يرتدي نظارة سوداء ومعطفاً داكناً، يمسك سيجارة مشتعلة لا يدخنها:
“احذر يا هذا، من أنت لتتكلم بهذه الطريقة؟”
ثم أضاف ببرود أثقل:
“ألا تعلم أن للكلام عواقب؟”
عرف جردلينو الهيئة فوراً؛ كلهم متشابهون، كأنهم خرجوا من قالب واحد. شعر برعشة خوف تسري في جسده، لكنه أخرج الورقة بثقة استمدها من الجماهير القلقة أكثر منه.
“خذ، هذا مرسوم يتيح لي أن أعيش حراً وأقول ما أريد. صك غفران لحرية الكلام القادم كله.”
أطفأ الرجل سيجارته، حسّن هندامه، نزع نظارته ووضعها في جيبه، وقف انتباه، وقرأ الورقة. لم يقل شيئاً. اكتفى بأن وقف أسفل الطاولة، ملاصقاً لها، معطياً جردلينو ظهره، ومواجهاً الجمهور، كحارس شخصي. استغرب جردلينو بانتوك، نظر إلى المرسوم مبتسماً، ثم طواه بعناية وأدخله في جيبه الداخلي.
واصل حديثه البطولي، علت نبرته، واتسع الحشد، وارتفعت الهتافات. صرخ باسم الوطن، ولأجل الوطن، وحين أعجبته نفسه وسط الضجيج قال:
“أنا الوطن.”
ثم تدارك:
“أنا الوطن، وأنت الوطن، وأنتم الوطن، الوطن ليس الحدود والمباني، ولا الامكانيات والبنى التحتية والدولة، بل نحن، وبما أننا الوطن، فلا بد أن يكون الوطن كما نريد.
بارتجاف وتعرق، دخل وسط الحشد بعد سماعه رجلاً يقول:”ذلك الحشد يخاطبه رجل لديه صك غفران الكلام”. فذهب ليرى بدعة الدولة التضليلية الجديدة.
وجد صديقه الفقيد، الذي لا أمل في رجوعه، واقفاً كمحرر لوطن، يخطب في جماهير غزيرة. ضحك وسط خوفه ذاك، إذ لم يسبق له أن رأى معارضاً فوق المنصة ورجل الدولة تحتها.
نزل جردلينو بانتوك عن الطاولة في دهر كامل، لم يتحرك حارسه. فالتفت نحوه، فقال الرجل:
“إنما أنا أحرس الكلمات، لا الأشخاص.”
غاص وسط الجماهير، يصافحهم ويعانقهم، ويصفقون له ويقبل الأطفال، حتى اصطدم بصديقه عند الحافة. احتضنه بقوة، وطلب منه أن يرحلا فوراً قبل حدوث ما لا يحمد عقباه.
وصلا إلى مقرهم السري. لم يصدق رفاقه ما رأوه، حُبس جردلينو بانتوك في غرفة جانبية. خرج بعضهم لتأمين المكان، وبقي ثلاثة حققوا معه.
“ما الذي حدث بالضبط؟.”
قص عليهم ما جرى، أخرسهم ما سمعوا.
قال أحدهم:
“ما لا أفهمه هو سرعة الإجراءات.”
رد عليه آخر:
“أرادوا التخلص منه بسرعة. فعلوا هذا مع أخي من قبل.”
أُعيدت له ملابسه، وعانقوه. عاد إلى البيت ليطمئن عائلته، وجدهم قد علقوا صورته على الحائط كميت، ووضعوا أشياءه في الخزانة ليوفروا مكاناً للكلب لينام فيه.
في الاجتماع الدوري للمعارضة، استمع طويلاً للأفكار المكررة. ضاقت به الصالة، فوقف مقاطعاً المتحدث:
“كل هذا كلام فارغ، نحتاج رؤية جديدة، لا إعادة تدوير الخوف.”
طالبه المتحدث بالجلوس والصمت لحين دوره.
صرخ فيه جردلينو بانتوك ملوحاً بالمرسوم:
“بل أنت من يجب أن يصمت. أنت فاشل، والأخطر أنك لا تملك حق الكلام.”
ربما حدثت ضجة. ربما دخلت عناصر. ربما اُعتقل الجميع ما عدا جردلينو. ربما صار وزيراً. ربما صار بطلاً. ربما صار وطناً، ربما جُرِّد من كل شيء. ربما عاد ثوريًّا بلا قيمة. ربما بكى رفاقه. ربما تعفَّن في السجن. كل ذلك ربما حدث.
“ليس لديك حق الكلام.”
محمد عبدالعظيم كمال الدين
طبيب سوداني يكتب من زوايا وجودية مختلفة وبفلسفة تتأرجح بين الكافكاوية العدمية واللا مبالاة. تتمتع كتاباتي بالأصالة والمنظور المختلف وكونها تحمل جميعها العنف.