I
حينَ كنّا صغارًا،
كانت السماءُ للأرضِ أقرب.
كنّا نصعدُ التلَّ ونصفّقُ،
فتفرح الغيمةُ ويهمي المطرُ،
والنجوم ترقصُ على إيقاعِ الرعود.
كانت ضحكاتُنا مبلّلةً
ونشيدُنا شتاءً وبروقًا.
II
قلْ لي يا زمني الآتي:
هل أنا بقيّة من ذكرياتك؟
سقط متاعك؟
بعضُ خطاياك القديمة؟
إلى أين تمضي بي أيّها السرمديّ ؟
كلّ خطوة إليكَ خطوة إلى حتفي المرتقب.
فارأفْ بي وأنتَ تعدُّ خُطاي
غُضَّ طرفكَ عن خيباتي وخطاياي.
III
أمس كنتُ أعمى لا أعدّ الخُطى
أقفز من تلّة إلى أخرى
أطير من جبل إلى آخر
أقفز من شجرة إلى شجرة
كانت الحياة حلوة
وكنت أقبضها كوردة جبليّة بلا اسم.
IV
كنّا صغارًا وكان العالمُ أجمل
كان للخبزِ طعمُ البدايات
ولماء الينابيع نكهة العنب أوائل الشتاء.
كنّا نصادق الطير والأرانب
ولا نفرّق بين الزهور والفراشات.
V
كنّا صغارًا
وكنتُ أقودها مِن يدها الصغيرة
حتّى نقف مشدوهين أمام شجرة البرقوق.
فاطمة، انظري ما أكثر الفراشات!
فتضربني على يدي وتقول:
لقد كبرتَ بما يكفي كي تفرّق بين الزهرة والفراشة.
وكبرتُ ولم أدرك الفرقَ
سوى أنّ الزهرة بحكم الجاذبيّة تُغادر الشجرة نحو الأرض،
والفراشة بحكم الشغف تحلّق عاليًا.
VI
كنّا صغارًا وكانت السماءُ دانيةً
تُلامسُ سطحَ آخر بيتٍ في القريةِ،
وكنتُ أنتظر اشتداد عودي؛
كي أحمل سلّمًا خشبيًّا بعشر درجات
لأرتقي السماء من فوق سطح البيت
آخر بيت في القرية.
VII
كنّا صغارًا أيّها الزمن،
بلا ساعة في معصمي
تعدُّ الخُطى.
اليوم تفتّحتْ بصيرتي على جنونك
ونهمكَ الأبديّ.
صار كلّ شيء ساعة
في معصمي ساعة
في هاتفي ساعة
في حاسوبي ساعة
على الحائط ساعة
على الشجرة التي تساقطت أوراقها ساعة.
الآن أنا ابن الوقت.
تمت
مشهور بطران
اتب وباحث واكاديمي فلسطيني يدرس في كلية التربية في جامعة بيت لحم، نشر العديد من الكتب في حقل سوسيولوجيا التربية، سوسيولوجيا مدرسة مقهورة، وسوسيولوجيا الدرس العلمي. وفي حقل الادب نشر اربع روايات وثلاث مجموعات قصصية