ذلك اليوم الربيعي المُبهج، بهجة تلك النزهة الصباحية بين التلالِ الخضراء على أَطراف المدينة .
منذ سنواتٍ، وهي ترافقها في بِلاد المهجر بعد أن عَاث الدمارُ في مدينتهم.
وبعد أن أنقذها الرب من غرقٍ وشيك بين أَمواج الأَطلسي الهائلة في رحلةٍ طويلةٍ لإِنقاذ أَرواحٍ منهكة طحنتها الحُروب.
لم يدر في خلدها حينها سِوى الصغيرة وطالعِ المُستقبل .
ركِبت الأمواج بجسارةٍ لتصل إِلى شاطِئ آخر حيثُ الأمان .
اليوم تحديدا هو عيد ميلاد صغيرتها السادس ، أَرادت أَن تمنحها فيه جمالًا استثنائِيا يبقى طويلًا في الذاكرة ، وأَن تَمحو من مخيلتها كل لونٍ رمادي خلفتهُ غَبراتُ الحُروب .
جَمال التلال وارتفاعِها أَبهجَ الصغيرة ، راحت تلهو و تتبَعُ فراشةً مُلونةً كانت تقفُ على حافة زهرة يانِعة ، تعلَّق قلبها بِلون الزهرةِ وخُيوط الحريرِ على أَجنحةِ الفراشة ..حياتها الغضة لم تختبر فيها سوى أَصواتِ مدافِع وطَلقاتِ نارية ، وجِير أَبيض مُقتَلع من خرسانةِ منازِل رمادِية هوت بِفعل حَربٍ طائِفية .
نظرت إِليها و القَلق الدائِم يبعثرُها ، هل كانت على حق حينما اختطفتها من البؤْسِ الرمادي ، لتُلقي بِها في مَهجرٍ بَارد لكنهُ ذَا أَلوان؟
هل ستحتمل اقتِلاعًا مُبكرًا -كَعود زنبقٍ حَائر- من جُذورِ موطنها حيثُ لا وطن؟!
وأَن تُهاجر رُوحها كالمواسمِ مع هِجرةِ الفرَاشَات !
قَالت تُحدِّثُ نَفسها …
-العَيشُ الرغيد هُو ما يُناسبها ،عندما يحل الخراب يَهرب الوَطن، ويرتبك الولاء عندما ترتبك البطون .
رمقتها بِإِعجابٍ، وهي تَلهُو مع الفراشة ، و مع ذلك الغد المُعلق في كبد السماء .
تذكرت يوم أَن نَثرت السماءُ في يوم مُظلم قَذائف كميائيةٍ مُحرمة ، أَلهبت مباني المدينة، وجعلت الظلام يَشتعل.
تلك القذيفة التي ارتمت على مَنزلها ،سَلبت روح زوجها وابنيها ، وتركت في أَحضانها رُوح جَميلة .
مُنذ أَن قررت إِبعادُها عن الويلات وألعاب الكراسي البهلوانية بين الساسةِ، وهي لا تبالي بِحفظِ النشيدِ، ولا لون العلم .
ملامحها لم تكسها الأَلوانُ مُنذ زمن ،لم تستطع أَن تَضع خِضابًا على شفتيها مُنذ النكبة .
لم تعد تزيد من حُمرة وجنتيها ، كان جُل ما تُريده هو طرحُ مزيدٍ من الأَلوان في عيني الصغيرة .
صعدت التل و وضعت كفيها قربَ فمها، وراحت تنادي بصوتِ عال وهي تَقول …
– كوني دومًا يا صغيرتي فراشةٌ مهما هاجرت مع المواسم، وزارت الأَزهار فحنينها يبقى لزهرتهَا الأَولى .
لم تستوعب الصغيرة ما قالتهُ وراحت تعبث مع الفراشة .
وفي لحظة جُنونٍ منها على سَفحِ التل ، قررت أَن تضع معطفها الثقيلُ جانبا و أَن ترمي بِحذائها الطويل .
ركضت حافية ، تُريدُ السعادة .
رُوحها المُتعبةُ تَستحق الغُسلَ ، و أَن ترسلَ لها الشمس بَعضًا من الوهجِ على وجنتيها ، وجوهرتين من أَلق على عينيها.
ركضت مسرعة خلف الصغيرة تُسابق الفراشة ،وهي تلعنُ الطوائِف وأَكاذِيب الساسة ، وآلة الحربِ الرمادية السخيفة.