لماذا وقف الإرهابي بعيداً

ارتدى جردلينو بانتوك حزاماً ناسفاً، ثم انزوى بعيداً ليفجر نفسه. لم يكن الأمر سهلاً عليه؛ فجميع أولئك الناس يحدقون به؛ رغبة في أن يعرفوا ماذا يفعل. أخرج سلكاً طويلاً من داخل بذلته السميكة، شده بعنف؛ لأنه كان عالقاً بين طيات القميص والسترة، أخيراً، بعد عناء طويل استطاع أن يخرج السلك كاملاً.

ليكون عمله منمقاً على أكمل وجه، وأي شيء يمكن للمرء أن يحسنه في ظل كل ذلك البؤس أهم من أن يختار قتلة تليق به. كان الزر الذي في نهاية العلبة الأسطوانية التي في طرف السلك أحمراً كبيراً بارزاً للغاية، يمكن للناظر ملاحظته من بعيد. وهو الأمر الذي اكتشفه لتوه.

كان الجميع يطالعه بالنظرات، كل الناس مركزون حوله، لا ينظرون لشيء سوى جردلينو بانتوك الذي أصبح الآن ممسكاً بالزر في يده. الزر منساب خارج عن السترة ممتد على طول المسافة التي يشغلها. نظر حوله فوجدهم جميعاً ينظرون إليه، في لقطة كانت غريبة للغاية عليه؛ فهو لم يتعود أن يكون محط أنظار طوال حياته. حياته كانت بائسة رتيبة ليس بها من الإثارة ما يكفيه لأن يكون محط أنظار الناس، لكن على ما يبدو كل شيء قد تغير الآن.

لم يكن متأكداً من حقيقة الأمور من حوله، عن سبب تحديق الناس به، لكنه فضل المواصلة. فهو على كل قد تجاوز مرحلة الاهتمام برأي الناس حوله، ويريد أن يمضي بالأمور إلى خواتيمها. بنفس قدر جهله بحقيقة الأمور من حوله، كان الناس يتحرقون شوقاً لرؤية ما يخفي في جعبته، بالتحديد نهاية ذلك السلك الذي كان واضحاً أنه سلك تفجير.

شعر لوهلة بالخوف من كونه مراقباً بكل تلك الأعين، الأعين ذاتها التي لم تكن تلاحظ لوجوده من قبل، سحب السلك سريعاً؛ لأنه كان متوتراً، انساب السلك الذي كان مشدوداً، انقطعت أحد أزرار البذلة لتكشف عن جزء من جسم الحزام الناسف، وضع الاسطوانة بين اصابعه وضمها بقوة، رفع ابهامه عالياً ليسقطه في الزر الأحمر الكبير مرة واحدة وللنهاية، أغمض عينيه استعداداً للحظته التاريخية، تمهيداً لخاتمة كان يحسب أنه سوف ينجو بها من بؤسه المحتوم.

في غمضته تلك فكر: لماذا أغلق عينيه، لماذا اختار أن يظلم رؤياه في نهايتها، أليست عيناه هاتان كانتا تنظران لكل معاناته، إذاً حري بهما أن تشهدان النهاية، ثم أنه ليس من الشجاعة في شيء أن يغادر جباناً، لعله في آخر المطاف يبصر شيئاً من الحقيقة. فتح عينيه، أراد في داخله أن يتغير شيء، لكن ذلك لم ولن يحدث.

تحسس الزر مرة أخيرة، هم بالضغط عليه، صرخت امرأة بصوت عال: “انتظر”. وأقبلت تركض نحوه، ظن أنها كانت ترغب في إثنائه عن فعلته، وأنها تريد أن تمنحه بعض من الأمل. وقفت المرأة بأنفاسها المتلهثة وأخبرته أنها لن تدعه يذهب وحده ولن تتركه يهرب، اعتلت وجهه علامات الدهشة، احتضنته حتى كادت تكسر أضلعه، ثم صرخت في وجهه: “الآن، اضغط الزر”.

وقف حائراً متألماً من ضغطات المرأة القوية. لم يكن يدري ما يفعل، لكنه كان يعلم شيئاً واحداً فقط، أنه لن يسمح لأحد كائن من كان أن يشاركه حلمه، وأن ينزع منه بريق لحظته؛ ففي وسط كل ذلك البؤس هذه هي لحظته الوحيدة.

بقوة وبحركة واحدة، حاول دفع المرأة بعيداً عنه، لم تفلح محاولته، فركلها في بطنها ثم شد شعرها قبل أن يلكمها بيده التي تحمل الأسطوانة بعيداً. بدأ يركض بعيداً عن المرأة، بدأت المرأة تصرخ في الناس:”امسكوه، إنه يريد أن ينجو وحده”.

وهل هذه مأخذة هي الأخرى أيضاً؟. أليس من حقه أن ينجو وحده؟. أخذ يركض بعيداً حتى غاب عن صرخات المرأة. أما الجموع التي كانت تركض خلفه لم تجد له طريقاً بعد غيابه في زاوية النيل البعيد عند الجرف الأسفل. هناك غسل رأسه المتعرق. أراد حسم الأمور في مكانه ذاك، لكنه رأى أنه من الأفضل أن يفعلها أمامهم، يجعلهم ينظرون إليه وهو يفعلها أخيراً، من يدري لعله يصبح رمزاً. أثارت صرخات تلك المرأة وتشبثها به شيئاً في نفسه، لا سيما وأنها المرة الأولى التي يتشبث به أحد. كان احساساً غريباً، أخذته ابتسامة خاطفة لم تدم طويلاً.

تحرك خطوات نحو الجموع التي كانت تبحث عنه، أصبح يراهم ويرونه في مشهد غريب، يحدقون به جميعهم ويتقدمون نحوه بخطوات بطيئة، أما هو فظل ينظر في وجوههم بحيرة. تلك المرأة تسللت من وسط الجموع الغفيرة وصرخت فيه قائلة:”أرجوك خذني معك”. لم يكن ليقتنع بكلماتها تلك، فعزمه على أن يذهب وحده لم يكن ليغير شيئاً لكنه لم يكن ليذهب من دون أن يشفي حيرته التي طغت عليه. أجابها رافضاً: “كلا لن آخذك معي، لن أسمح لك أن تشاركيني لحظتي هذه مطلقاً”. تقدمت المرأة تركض نحوه من جديد. لكنه هذه المرة أوقفها بأن سألها عن سبب رغبتها في الذهاب معه. لم تملك المرأة إجابة واضحة فاكتفت بإخباره أنه ذات السبب الذي قد يدفع شاب مثله في تفجير نفسه.

هو المجتمع إذاً. هكذا قال.

أجابته: “أجل، هو المجتمع”.

ضحك جردلينو بصوت عال وقال لها: لقد خدعتك ، ليس المجتمع، أنت ليس لديك من الأسباب ما يكفي، أنت تنتمين إلى هذا المكان، إلى هذه الجموع من حولك. ثم لنفترض أن سببك هو المجتمع، مع أنه سبب غير كاف، ولكن لا بأس، عن أي مجتمع تشكين؟، فأنت لا تختلفين كثيراً عن الناس من حولك، تشبهينهم في كل شيء، ومن يدري ربما تكونين أسوأ حتى من الجميع. أنت حتى لا تستطيعين السماح لرجل يريد تفجير نفسه من أن يفعل ذلك في سلام. ثم أنني لو تركتك تذهبين معي على حسب اعتقادك بأن المشكلة في المجتمع؛ فهذا لن يحل المشكلة لأنك أيتها السيدة، حين تذهبين سوف تثيرين سخط المجتمع الذي سيزيد من تصرفاته السيئة بذات القدر الأول ولن تغيري شيئاً، بل ستكونين مجرد امرأة هربت من مسؤولياتها؛ وبذلك تسطرين نوعاً من الهروب من المسؤولية. أيتها السيدة، رجاءً دعيني أفجر نفسي بسلام، ولتكتفي بالمشاهدة.

أصبح يحرك وجهه نحو الجموع الغفيرة قبل أن يوجه لهم الكلام: جميعكم أيها السادة، أريدكم فقط أن تكتفوا بالنظر. أريدكم أن تشاهدوا الذي سأقوم به هنا والآن. سأقوم بتفجير نفسي والذهاب بعيداً. أريد أن يكون العنوان في الصحف:”لماذا فجر الإرهابي نفسه بعيداً”. أجل أيها السادة، كما سمعتم، الإرهابي. فما سأفعله الآن هو الإرهاب. أنا أرهب أفكاركم وأخيف مبادئكم وقناعاتكم، سأسلط عليكم قسوة الحقيقة وأدمر نسيجكم الوجداني، سأصرخ فيكم قبل نسف جسدي البائس إلى أشلاء أن البؤس باق ببقاء الإنسان. حينها أكون إرهابياً بحق. هذا زمن الإرهاب الجديد، والأخطر من كل ذلك، أنني لن أريحكم أبداً وسأمضي وحدي.

ضج الناس وأخذوا يتحدثون مع بعضهم. لم يجرؤ أحد على أن يناديه بالمجنون، بل اكتفوا جميعاً بالوقوف هناك، ينظرون مخطوفي النظرة. ذلك الرجل بدأ يتسلل نحوه بخفة، لكن جردلينو رآه فبدأ يركض. ركض الرجل خلفه وهو يصرخ:”خذني معك”. وأصبح الجميع يركضون خلف الرجل الراكض خلف جردلينو، بل الجميع يركض خلف جردلينو. أما هو فظل عالقاً بين أن يفجر نفسه وحده، وأن يريد للجميع أن يروه يفجر نفسه وظل يفكر طويلاً في حل لهذه المعضلة أثناء ركضه الذي مزق ما تبقى من أزرار القميص، تاركاً إياه راكضاً ممسكاً بالزر الأحمر والحزام الناسف المكشوف على صدره.

صعد على تل عال وطلب منهم أن يتوقفوا، نظر إلى النيل، وهو يلهث، ونظر إليهم، استعاد قوته: “أيها الناس، البؤس باق ببقاء الإنسان”. وضغط على الزر الأحمر فنسف نفسه إلى قطع صغيرة تناثرت على الجموع، سقطت عينه على ذلك الرجل المتسلل، وأذنه على تلك المرأة، وبقية أعضائه تشتت بين الحشود، بينما احتفظ أحد الأطفال بقدمه.

وسط ذهول الجموع حقق رغبته الأخيرة، تركهم هناك في حيرتهم تلك محكومون بالهلاك، لا يستطيعون فعل شيء، بكت المرأة بحسرة على ضياع فرصتها التاريخية، وضع الرجل العين في جيبه ومضى، مضى الجميع لحال سبيلهم وهم يتفكرون في ما جرى، يفكرون في ذلك الشاب الذي لم يخبرهم حتى اسمه، ذلك الشاب الذي ظل مشهوراً في تلك المدينة بالإرهابي الذي فجر نفسه بعيداً، ذلك الحدث الذي هز تلك المدينة وغير فيها المفاهيم إلى الأبد ولن تعود كما كانت.

*

خبر عاجل

في هجوم إرهابي متطرف قام أحد الشباب بتفجير نفسه بعيداً، وعليه توصي السلطات الجميع بالتجمع وعدم البقاء وحيدا. وقد قررت الحكومة حظر النشاطات الإرهابية من هذه الشاكلة وحظر بيع الأحزمة الناسفة. وستتوالى البيانات.

كان الوضع في المدينة مدهش للغاية، الجميع يتحدث عن فعلة ذلك الشاب، وانتشار واسع للسلطات الأمنية في الطرقات لمنع الناس من تفجير أنفسهم، كانت موجات من التفجيرات قد حدثت، الجميع يريد أن يفجر نفسه بعيداً ويجعل الناس ينظرون، بدأ الجميع يدرك من الحقائق ما لم يكن ليعلمها، عثر الجميع على الحل لكل مشاكلهم مرة واحدة وإلى الأبد. لم تكن السلطات لتسمح للناس أن ينجوا وإلا من سيحكمون. فبدأت بعمل حملات للوعظ والإرشاد، حاولت إقناعهم بكم هي الحياة جميلة وتستحق العيش، ولكن فكرة أن الحياة جميلة وتستحق العيش ولا يمكن للإنسان أن يدركها وحده إلا أن تقنعه بها الحكومة لهي في حد ذاتها مدعاة للذهاب بعيداً وتفجير النفس.

نشأت جماعات كثيرة إرهابية مضادة للحكومة أشهرها جماعة ا.ب.ف.ن وهي اختصار لإذهب بعيداً وفجر نفسك. وجماعة أخرى كانت تقاسمها الشهرة وهي جماعة الذهاب بعيداً. هناك الكثير لكن هاتين الجماعتين اشتهرتا بتوفير الأحزمة الناسفة لمن يرغب. بل تخطت جماعة اذهب بعيداً وفجر نفسك كل تلك الحدود، وأصبحت توفر المشاهدين والمكان المناسب.

ضايق ذلك السلطات الأمنية فشددت من الحملات والإرتكازات للعثور على تلك التنظيمات والقضاء عليها، فلم تنجح في ذلك لعدة أسباب؛ فلا يمكن لشخص أي كانت قدرته الجاسوسية أن يتوغل تلك الجماعات؛ لانك تحتاج لأن تقنعها بسبب رغبتك في الذهاب بعيداً وإذا ما قمت بذلك فسوف يبدؤون معك في النقاش؛ وعمل الجاسوسية بطبعه يقتضي أن يكون الشخص على قدر من تجريد الذات والتمثيل؛ فيسهل له الاندماج في ذلك المجتمع ليحصل على المعلومات الكافية، والدولة كانت أصلاً محطمة والجواسيس ليسوا معدين نفسياً كفاية. فكان أنهم يذهبون إلى هناك ويقتنعون بتلك الأفكار فلا يعودون ويمضون بأنفسهم بعيداً.

كانت هناك حقيقة بحق، حقيقة لا يمكن للمرء أن يتخطاها، تفتح جميع الحواس الإدراكية وتجعلك عاجزاً عن الإنكار، تجمد ذاتك وتفني عبثك وتضعك أمام فكرة جديدة للوجود، والأهم من ذلك تخلصك من كينونتك البائسة وتجد لك الحل لكل المشاكل.

كان عرضاً لا يقاوم، حتى سرت في الناس تلك النبوءة، نبوءة عن الرجل الذي لن يذهب بعيداً. عن الرجل العائد، الذي سيسن سنة جديدة ، الرجل الذي سيأتي بحقيقة جديدة تبدد الحقيقة القديمة وسيمنح الناس الأمل.

اسم جردلينو أصبح محظوراً عن العوام، لم يعد يعرفه سوى علية القوم. ذلك الرجل الذي مزق وجودية المجتمعات إلى الأبد ومضى بها نحو الهلاك. لم تعد البشرية راغبة في الحضارة، فالحضارة تقتضي أملاً وعملاً للمستقبل، وهي شكل من أشكال الحلول لضمان رفاهية تزيح بعض البؤس. ولكن فكرة الذهاب بعيداً كانت عظيمة بالقدر الذي جعلها أسهل من بناء الحضارة وأسهل حتى من الوجود نفسه. ضغطة زر فقط وجمهور هو كل ما يتطلبه الأمر.

*

نجحت الحكومة في التقليل من صناعة الأحزمة الناسفة، بل كادت أن تقضي عليها، ولكن كل شيء انهار بعد ذلك اليوم الطويل، ذلك اليوم غير المفهوم للأبد ومنح الأمور بعداً جديداً سارت على وفقه الأحداث. قد تتساءل أيها القارئ البائس من أكثر شخص يمكنه الحصول على جمهور، إجابتك صحيحة. وقف الحاكم أمام الشعب في حشد ضخم كان قد روج له على أن الحكومة قد وجدت حلاً للمشكلة التي طغت على البلاد حتى كادت تعصف بوجودها، وأن الحاكم سيقدم ذلك الخطاب وقد كان.

وقف الحاكم في ساحة المدينة وسط تلك الجموع الغفيرة وكاميرات التلفاز، ووسط ترقب الجميع لكلمته تلك، وترقب السلطات الأمنية. تجرد الحاكم للحقيقة، صعد المنصة وحيداً وصرخ في الميكرفون: “أيها الشعب، البؤس باق ببقاء الإنسان”. نسف نفسه على الملأ. تلاشت قطعه بين الجموع. سقطت العين على ذلك الرجل المتسلل فأصبح يملك عينين الآن، بينما أذن أخرى في حضن تلك المرأة التي باتت تملك أذنين الآن، أما الطفل فمجرد قدم أخرى تساعده للمشي على الدرب ورؤية المستقبل بوضوح.

ذلك الرجل المتسلل أدخل العين في جيبه ومضى، كان دائماً أول من يمضي، برغم استسلامه لكنه كان شديد الإنكار. وهذه المرة مضى وترك الناس خلفه يهرعون. كل يبحث عن حزام ناسف ليستفيد من تلك الحشود؛ فانهال الناس على السلطات بالضرب العنيف وعمت الفوضى المكان على أمل أن يطلق عليهم الجنود الرصاص، لكن الجنود لم ولن يفعلوا. فتلقوا أصناف الضرب على سرور.

وصل الأمر إلى مراحل حرجة، لم يعد من الممكن العثور على جمهور. ولأن الفكرة لا تكتمل إلا إذا وُجد شاهد؛ فقد خلق ذلك أزمة كبيرة. أصبح المرء يدفع أموالاً طائلة للشركات ولرجال الأعمال لتوفير جمهور ينظر إليه وهو يذهب بعيداً. تلك الفكرة أيضا خلقت نوعاً من التضاد فتم وأدها تحت عودة سطوة التنظيمات القديمة التي رادت الفكرة في أولها، والتي دعت إلى أن الجمهور والحزام الناسف حق للجميع، ويجب أن تتوفر بالتساوي وقررت محاربة الشركات ورجال الأعمال.

بعد ثورة عنيفة خاضتها تلك التنظيمات انتصرت أخيراً، وقامت بعمل ما يسمى جداول الجمهور والتفجير. سارت بعدها الأمور في تنظيم مطلق مع نقص يومي في أعداد السكان والاقتراب من الهلاك شيئاً فشيئاً.

*

الآن وبعد هلاك الجميع خرج الرجل المتسلل من منزله للقائه الأخير. جلس على حافة النيل عند ذلك التل البعيد. انضمت إليه المرأة، ثم حضر الطفل. كان الرجل يحمل العينين، والطفل يحمل القدمين، والمرأة تحمل الأذنين. أخرج كل منهم ما يحمله، وجلسوا للتفاوض الأخير. من يكون جمهور من، ومن الذي سيذهب بعيداً أولاً، مع علمهم الكامل أن أحدهم سيبقى هنا وحده يقاسي البؤس ولن يبصر الحقيقة.

قال الرجل المتسلل: أنا أملك العينين، عين تركها لي الأول، وعين تركها لي الحاكم، ولا أدري أي شيء قد يدل على استحقاق رؤية الحقيقة أكثر من هذا. كما أنني رجل قد عاش الكثير، وشاهد على بداية الأحداث، كنت كثيراً ما أمضي، لم أكن مقتنعاً وكان لدي قليل أمل بددته مرارة الوحدة. قد حان الآن وقت الحقيقة.

لم تكترث المرأة لكل ذلك الكلام، لكنها تركته يكمل ثم قالت: حسناً أنا أملك الأذنين، كما أنني أول من رأيته وأول من آمنت بدعواه، وتشبثت بجسده المنسوف قبل أن ينسفه وعانقته عناق مصاحب. أنا من صرخت ونبهتكم لتدركوا الحقيقة، وأخبرتكم أنه يريد أن ينجو لوحده، ولولا صراخي ذاك لما مضت الأمور لما هي عليه الآن، فإن كان الناس الذين أدركوا الحقيقة ممتنين لذلك الشاب الأول، فهم ممتنين لي بذات القدر. أما حان وقتي لرؤية الحقيقة؟!.

أما الطفل فكان يحمل القدمين وينظر لا يستطيع دفاعاً، فاكتفى بالقول: لدي قدمان مضى أصحابها نحو الحقيقة، ولولاهما لما ركضا بعيداً وقد تركاهما لي لأمضي بعيداً أنا الآخر.

في حيرتهم تلك، وبدرس استفاده من الشاب يوم تسلل يريد الانضمام إليه. صرخ فيهم: “حسناً، البؤس يدوم بدوام الإنسان”. وركض بعيداً وفجر نفسه إلى أشلاء لم تصل إلى المرأة والطفل من جسده الممزق سوى حيرته.

المرأة والطفل كل منهما يسير بعيداً من الآخر، كلاهما يمسك بزره، كلاهما يرقبان اللحظة المناسبة ويحدقان ببعضهما، في لحظته تلك رأى نوراً خافتاً، استشعر حقيقة مطلقة، حقيقة ليست كتلك، ابتسم وأخبر المرأة أن تمضي بعيداً. جلس على الأرض وشاهدها، فصرخت المرأة: “البؤس يدوم بدوام الإنسان”. ونسفت نفسها.

أما الطفل فكان هو وحده من أدرك الحقيقة كلها ونظر إلى جوهر الأمور. مضى بخطوات ثابتة نحو النيل ورأى انعكاس وحدته تلك، فأدرك أنه المنتصر الوحيد وابتسم.

تمت


محمد عبدالعظيم كمال الدين

طبيب سوداني يكتب من زوايا وجودية مختلفة وبفلسفة تتأرجح بين الكافكاوية العدمية واللا مبالاة. تتمتع كتاباتي بالأصالة والمنظور المختلف وكونها تحمل جميعها العنف.