لم أكن يومًا من أولئك الذين يعرفون بدقة إلى أين يتجهون. لا أملك خطة محكمة، ولا خارطة واضحة المعالم لمستقبلي. كثيرًا ما شعرت أنني متأخرة عن الآخرين، كأن القطار قد مضى وتركني على الرصيف. كنت أراهم يركضون نحو أهداف محددة، بينما أقف أنا أتأمل الريح وهي تعبث بشعري، والنسيم يلامس وجهي بخفة.
مع الوقت أدركت أمرًا بسيطًا: ربما لم أُخلق لأطارد الوجهة، بل لأعيش الرحلة.
نحن نتربى على فكرة الوصول. شهادة، وظيفة، زواج، استقرار… كأن الحياة سلسلة محطات لا بد من اجتيازها لنستحق الراحة في نهايتها. لكنني كلما اقتربت من هدف ظننته نهائيًا، وجدت نفسي أبحث عن غيره. وكأن الوجهة ليست إلا سببًا مؤقتًا لمواصلة السير.
حين أقول إنني ابنة الرحلة، لا أعني الضياع، بل القبول. أن أسمح للأيام أن تفاجئني دون أن أقاوم كل تغير. أن أتعلم من التحولات بدل أن أعتبرها انحرافًا عن المسار.
أريد أن أسافر، أن أسمع لغات لا أفهمها، وأن أختبر شعور الغربة الذي يعيد للإنسان اكتشاف ذاته. أريد أن أركض تحت المطر دون خوف من المرض في اليوم التالي، فقط لأشعر أنني أتنفس بعمق. هذه الرغبات ليست أهدافًا نهائية، بل أشكالًا مختلفة للحياة نفسها.
الفكرة ليست أن أصل إلى نسخة مثالية مني، بل أن أتصالح مع النسخة التي تتغير كل يوم. فالوجهات تمنحنا شعورًا بالأمان، أما الرحلة فتعلمنا المرونة، وتكشف لنا من نكون حين تتغير الظروف.
ربما لا أعرف تمامًا إلى أين أمضي، وربما لن تسير الأمور كما أتخيل. لكنني أريد أن أعيش بامتلاء، لا بانتظار. أن أحب الطريق بما فيه من تعرجات، لأن الاستقامة الكاملة لا توجد إلا في الخرائط، لا في الحياة.
أنا لا أبحث عن نهاية مثالية.
أنا أبحث عن تجربة تشبهني.
رغد العويشي
رغد العويشي كاتبة شابة تؤمن بأن الكتابة رحلة لاكتشاف الذات، وتسعى لخلق نصوص صادقة تلامس القارئ.