مشاكل رفيق

كنا نجلس في اجتماعنا الحزبي الأسبوعي العادي، لقد تطورت الأحداث كثيرا في الأيام الأخيرة وازدادت خطرا، لدرجة أننا صرنا نستخدم أسمائنا المستعارة ضمن بيوتنا.

جلس الرفيق رودر (اسم مستعار بوضوح) في رئاسة الجلسة، وإلى جانبه بقيت أنا والرفيقة غازيت (يا لبشاعة الاختيار)  والرفيق رائد (الاسم البشري الحقيقي الباقي معنا.)

كان الحديث الدائر تافها وعديم المعنى تماما، ففي ظل الخوف من المداهمة المتوقعة في أي لحظة، كنا نتحدث عن نتاج الثورة الممكنة في العراق وعن إمكانية انحسار الخطاب الديني هناك وعن تأثير حزبنا الفكري على تلك الثورة، إن حصلت.

كنا مدركين – على الأقل أنا – لتفاهة اجتماعنا، وأن عناصر الشرطة قد تزورنا اليوم أو غدا أو في أي وقت. ولوهلة في ظل الأزمات العالمية الدائرة في كل مكان، أدركت أني أرتدي جوارب غير متناسقة اللون.

أعرف أن كلامي تافه؛ بل مفرط في التفاهة، لكن دماغي لم يقتنع بالمنطق. حاولت حرف الفكرة إلى شيء آخر، فحدقت بتركيز في شعارنا المبجل، شعار حزب الفكر اليساري (لدينا مشكلة حقيقية في ابتكار الأسماء) القلم واليد الجميلة ذات المفتوحة، والتي دائما ما ظننت أنها تحمل خطأً في أحد الأصابع، بشكل أو بآخر، لكن الشعار لم يبادلني النظر.

بقيت الإصبع الوسطى مرفوعة في وجهي، تقول “خذ، هذه لك. خذ، لك ولحزبك ولرفاقك. يساري يميني شيوعي رأسمالي أحمر أخضر، براز عديم القيمة، عد إلى بيتك أيها الديناصور.”

أهانتني كف الشعار بشدة ولكن لا أستطيع الغضب منها، فهي شعارنا. لذا عدت للاهتمام بجواربي، أخضر في اليمنى ورمادي مخضر في اليسرى، لم اشتريت لونا أخضر في الأصل؟ لا أملك شيئا أخضر في البيت كله.

حركت قدميّ تحت الضوء المتوافر، أضأت قداحتي محاولا الاستيضاح أكثر، ربما أخطأت أو كان الظل هو السبب.

كلا، أخضر فقط، والثانية رمادي مخضر أو أخضر رمادي.

قالوا لي طوال حياتي أني مصاب بعمى الألوان، ولم أتفاجئ بهذا التشخيص، فبالنسبة لي تبقى المنطقة المحصورة بين الأخضر والبني منطقة رمادية، ولا أعرف أسمائها ويصعب علي التخمين من المرة الأولى.

لكني أقدر على معرفتها عند وجود مرجع للمقارنة، وهذه ميزة لا يقدر عليها المصابون بعمى الألوان… رغم كل شيء فلست حزينا، ربع الذكور أو أكثر مثلي، وأنا لست مهتما بمعرفة ما هو البرغندي والفوشي والسكلما والسيرقوني والموجنة والتفاحي الذي هو ليس بالأحمر ولا بالأخضر، بالمختصر لا علاقة له بالتفاح. أو أي اسم عجائبي آخر مما تخترعه الفتيات.

أعرف اثني عشر لونا تكفيني لأرى العالم بها، ومستعد للتنازل عن لون أو اثنين أيضا.

لكن من وضع الجورب الأخضر في ثيابي، ولماذا؟

سمعت الرفيق أبو إياد أقصد رودر. (عذرا فدماغي مشوش تماما، إذ سيطرت الجوارب على رأسي) يتنحنح وقال: “رفيق علاء، ما رأيك؟ لم نسمع صوتك منذ بداية الاجتماع.”

(كما ترون فقد اختاروا لي اسما عاديا أيضا.)

صمت قليلا ثم فتحت فمي منتظرا خروج الكلام كالعادة لكن دون جدوى هذه المرة، فلم سأهتم بثورة في العراق أو الصين أو أي مكان؟ وماهي النكتة التي سيؤثر بها حزبنا المجيد فيها؟

تابع الرفيق رودر “هل أنت بخير؟”

“نعم بخير، (بدأت الجوارب بالخروج من رأسي) أظن أن الثورة هناك صعبة (بالتأكيد). أرى أن القبائلية والطائفية لها جمهورها الكبير، وتلعب دورا أساسيا في السيطرة على الفهم الشعبي العام وهذا أمر لا ينبغي تجاهله…”

قاطعني، “لكن الرفيقة غازيت (اختاروا لها أقبح اسم ممكن ويعني جريدة بالروسية) قد فندت هذا كله، يبدو أنك كنت نائما يا رفيق، هل يمكن للرفيق رائد أن يعيد قراءة التفنيد من المحضر؟”

ترجاني رائد بعينيه ألا أفعل، قال لي تظاهر بالفهم وانهي الموضوع يا أخي، سايرهم بأي شيء. يبدو عليه أنه لم ينم منذ مدة، ربما ليومين.

“كلا” تنحنحت. ” لا داعي يا رفيق. سأقرأ المحضر في المنزل، ربما ما زلت تحت تأثير الدعاية الحكومية المضادة للأفكار الثورية، الرفيقة محقة.”

تنهدت عينا رائد تشكرني أما عينا غازيت فقالت لي خذ مجددا، رمتني عيناها بالإصبع الوسطى أيضا.

تابعوا كلامهم، أي كلام عديم القيمة ينفع. ثم انتهى الاجتماع والحمد لله، غنينا همسا نشيد الحزب وهو بالمناسبة مسروق من نشيد الأممية المكتوب منذ مئتي عام، ورددنا الشعار بصوت خافت أيضا حتى لا يسمعنا أحد في الشارع. هناك إشاعة أن ساكن الطابق السفلي مخبر، ولا يجب الاستهانة بهذا أبدا.

يمكنكم أن تخمنوا ما هو الشعار، لقد قلبنا يا عمال العالم اتحدوا، إلى اتحدوا أيها المواطنين!

قمة الإبداع!

خرجنا من الاجتماع السري بحذر، بمعدل رفيق كل عشر دقائق، وما زلت مشغولا بالجورب الأخضر.

في طريق عودتي إلى المنزل الذي لا يبعد إلا نحو كيلو مترين كنت امشي بحذر ورأسي إلى الخلف خوفا من العسس. قابلت ثلاثة منهم في الطريق حقيقة، لذا حييتهم بتحية الحزب الحاكم وردوا بأحسن منها. الأبسط هو الأفضل، كان يجب أن نعرف هذا في حزبنا.

كنت أحمل محضر اجتماعنا الذي يمكن أن يعتقلوني من أجله، فرفعت يدي اليمنى وصرخت “سوريا إلى الأبد” ورد ثلاثتهم “إلى الأبد”. ارفع يدك واصرخ وستكون بأمان دائما.

غطست في عده برك ماء في الطريق وتبللت قدماي الاثنتان، كان الظلام دامسا، يبدو أن هناك مشكلة جديدة في أحد محطات الكهرباء الثلاثة التي بقيت لسوريا للأبد. لكنها لم تكن مشكلة، فالظلام صديق.

 تابعت طريقي وأنا أفكر بالجورب اللعين، ماذا سيؤثر الجورب الأخضر على توجهي الأحمر؟ ومن وضعه في ثيابي؟ وكيف استطعت التمييز بينهما؟

في المنزل وبختني زوجتي (لن أذكر لك اسمها الحقيقي بالتأكيد وكما قلت؛ نحن الآن تحت المراقبة فلنسمها هيفاء، نعم هيفاء زوجة علاء، تناغم جيد) وبختني هيفاء على تأخري، كانت قلقة وغاضبة، وبعد شجار هامس قصير شدت أذني لتخبرني بالكلمة السرية قالت “ظننتهم أخذوك”.

شدت أذني بقسوة لتخبرني، يبدو أن فكرة الكلمات السرية قد أعجبتها إذ صارت تكثر منها وبالأخص عندما تكون غاضبة.

أنت محقة يا هيفاء، الوضع خطر. لكنك لا تدركين مدى الفائدة التي نقدمها للجماهير، هم ينتظرون تعليقاتنا ومناشيرنا بشوق، ينتظرون منا إشارة الثورة والهجوم لقلب النظام، سأغفر لك فأنت زوجتي وأنا أحبك حتى لو لم تهتمي بالسياسة وبسعادة الجماهير.

خلعت ملابسي صامتا واستبدلتها بأخرى جافة. ثم وقفت في الحمام ورفعت الجوربين إلى أعلى، لم يكن هناك إمكانية للتمييز بينهما، فأنا لا أقدر على هذا في الوضع الطبيعي فكيف سأفعل بوجود الماء؟ دع الأمر. قلت لنفسي، إنها معجزة صغيرة، وهكذا اقتنعت وصمتت، فآخر ما أرغب فيه اليوم هو الدخول في اختبار لون جديد.

أتعرف ما هو اختبار اللون؟ هذا يندرج ضمن الأذى المقصود للنفس، فمثلا أسالُ هيفاء هل رأيت حقيبتي؟ ولنقل الزيتية، فتغيب وتعبث لمدة طويلة ثم تعود وهي تحملها وتقول بسخرية: لم أجدها لكن خذ هذه هدية لك من أمي نفس الحقيبة ولكنها بنية مثلا، ويليها أسبوع كامل من: علاء ما هو لون هذا الشيء أيا يكن اسمه.

استلقيت بجوارها صامتا، ماتزال غاضبة مني، حاولت مداعبتها قليلا، لكنها نهرتني، فأدرت لها ظهري. لا تحاولي يا عزيزتي، لن أترك الجماهير من أجل عشر دقائق من المتعة.

***

صباحا كان الفراش خاليا، هيفائي العزيزة قد خرجت منذ السادسة صباحا لتلحق بعملها، مسكينة فهي تتعب كثيرا في معمل الخياطة ولا أحد يقدر تعبها، لكن سوف أعوضها عن هذا كله ما إن ننجح في تنفيذ ثورتنا السلمية فسيتغير كل شيء وسنوزع الأموال على الجميع، اصبري يا هيفاء، لم يبق إلا القليل. الصبر الصبر، سنغير كل شيء.

نهضت بتكاسل وتناولت فطوري واقفا في البراد، دون شهية، أكلت مرغما فأنا جندي في خدمة القضية، لا تظنني نهما.

ثم ارتديت ملابسي دون النظر إلى الجوارب حتى لا أجد مفاجأة أخرى، وخرجت إلى الحديقة، فبعد ساعة سألتقي بصاحب بقالية يريد عاملا عنده، قد أجد عملا بعد سنة من البطالة.

استرخيت على كرسي خشبي في الحديقة الخضراء… أو هكذا يجب أن تكون، فأنا لم أسمع عن حديقة رمادية من قبل، واشتريت فنجانا من القهوة. أتعرف أن رجال الأمن يملؤون المكان؟ واحد يبيع القهوة والثاني يشذب الأعشاب والثالث يبيع البوالين والرابع… لا يهم. المهم أنهم يراقبونني، وقد يرغبون باعتقالي، فبائع القهوة ابتسم وحياني قائلا تفضل يا رفيق. هل افترض أني رفيق من رفاقه أم من رفاقنا؟

أيضا قد وضع ذلك المخبر كفا مبسوطة، من التي تستخدم لدرء الحسد، تشبه كف حزبنا قليلا، حيتني بطريقتها وقالت: خذ يا رفيق.

كلا هذا لا يجوز… أنا رجل بعرف قراءة الاشارات وهذه إشارة سيئة، اهرب فورا يا رفيق. عد إلى البيت وستجد عملا في وقت لاحق.

شربت القهوة بسرعة شديدة أحرقت لساني، وجريت متظاهرا بممارسة الرياضة، فصعدت كل سوائل المعدة الحامضة إلى حلقي، ركضت حول الحديقة حتى لا يشكوا فيّ، وتابعت الطريق بين السيارات والرفاق وغيرهم، منتقلا إلى الشوارع الضيقة والأزقة الفرعية حتى وصلت إلى بيت الرفيقة غازيت بالصدفة. فوجدتني أطرق الباب.

فوجئتْ دون شك برؤيتي في الصباح، فتحت لي الباب وهي نصف نائمة، ما تزال بثياب النوم، أمسكت بي من صدري وشدتني إلى الداخل.

(لا تظنوا السوء بها، فهي تعرف كيفية إنقاذ الرفاق عند الخطر.)

أغلقت النوافذ والستائر وأجلستني على الأريكة. “ماذا حصل؟ هل اعتقلوا أحدا؟ من؟ رودر أو رواد؟ هل لاحقوك؟ هل رأوك وأنت تدخل إلى هنا؟”

أشرت لها بيدي أن تصمت قليلا، هل وهل وهل، انتظريني يا غازيت قليلا حتى ألتقط أنفاسي. “لا شيء.” قلت بعد دقيقة، “لم يعتقلوا أحد، لكنهم كانوا يراقبونني في الحديقة. لقد عرفوا بشأن مقابلة العمل…”
“أي عمل؟” همست بصوتٍ عالٍ. “أنت تعمل في الحزب، وهذا يكفي. لا تعرض نفسك للخطر يا رفيق، قد تتعرض للفصل من الحزب بسب هذه الأمور.”

كنت أعرف تماما أنه لا يحق لنا التوظيف، فعلينا إبقاء أدمغتنا مشحوذة للعمل السياسي.

“يا غازيت… نحن بحاجة مستمرة للمال… أنا رجل متزوج…”
“حتى لو. أنت تحصل على مبلغ شهري من الحزب وهذا كاف.”

نعم أنا أحصل على مبلغ من الحزب بصفتي ضمن القيادة السياسية، لكن ما هو المبلغ إن كنا نجمع الاشتراكات من الأعضاء الأربعة ونوزعها عليهم من جديد.

عادت غازيت للهجوم، “هذا الأمر ليس مقبولا يا رفيق، أنت تعرض نضالنا كله للخطر بسبب ميولك الرأسمالية، أتعرف أن ثلاثة آلاف شخص رأوا ما نشرناه البارحة من نتائج اجتماعنا؟ هذه الجماهير وأنت تخونها، وأنا سأقوم بواجبي، سأبلغ عنك الرفيق رودر اليوم. والآن التقط أنفاسك واخرج.”

هكذا طردتني، هي متشددة، من الجناح اليميني لحزبنا، بينما يصنفوني يساريا.

نزلت الدرج حزينا ومذلولا، لو عرفت هيفاء بهذا لفرحت، هي تريدني أن أترك الحزب أصلا، مشيت دون وجهة وأنا أفكر بالتأنيب الذي سأناله من الرفيق رودر، وبالخطر الذي سأسببه لقضيتنا بحماقة العمل التي ارتكتبتها. سيطرت الأموال على أفكاري، أأنا رأسمالي حقا كما شتمتني غازيت؟ بقيت مطرقا دون انتباه للسيارات والمشاة حتى اصطدمت بعنصر أمن.

“انظر أمامك.” قال دون اهتمام.

فوجدتني أحييه بتحية حزبنا. “اتحدوا أيها المواطنون” خرجت دون سيطرة مني.

رباه، لقد وقعت في الفخ، سأرمى في السجن بسبب هذه الكلمة، ولن تعرف هيفائي العزيزة مصيري.

ارتجفت من رأسي حتى أخمص قدمي، لكن العنصر لم يكترث لحالي. “ما هذه؟”

سيقتلونك يا رفيق، كن شجاعا مرة واحدة في حياتك. نفخت صدري وقلت “هذه تحية حزبنا، حزب الفكر اليساري.”

ضحك الشرطي، ضحك ممسكا بكليتيه، نادى رفاقه، “تعالوا واسمعوا، أعدها ما اسم حزبكم يا ولد؟”

قال لي ولد، مع أني أقاربه سنا، “لماذا تضحك؟ نحن في حزب الفكر اليساري…”

تعالت الضحكات من كافة العناصر… وحتى أن أحدهم أخرجه هاتفه وأجبرني على إعادتها وإعادة الشعار.”

بعد نصف ساعة من الإذلال العلني، وقفت شامخا بينهم، “هيا خذوني، ألا تريدون اعتقالي؟”

نظر واحد منهم، نقيب ربما، إلي باحتقار “من أنت حتى نعتقلك؟ هل ارتكبت جريمة؟”
“كلا… ولكن..”
هدر في وجهي “إذا انقلع إلى بيتك، وعندما تقوم بما يخالف القانون سنأتي نحن لاعتقالك.”
 تركتهم خلفي يتضاحكون، لن أنتقم منهم عندما ننال السلطة، لكنني سأحرص على تربيتهم ليتعاملوا بشكل لائق مع المواطنين، اتحدوا أيها المواطنون، اتحدوا دائما.


يمان عبود

يمان عبود مترجم سوري. قام بترجمة رواية (سفينة تعليب السرطان) اليابانية، من اللغة الإنكليزية. وله ثلاثة ترجمات اخرى ستصدر قريبا عن الدار الليبرالية