فلسفة جنرال

قام الجنرال جردلينو بانتوك بجمع القوة التي تحت إمرته كاملة، طلب بندقية، وقف في بداية الصف، ثم بدأ بإطلاق النار على الجنود واحداً تلو الآخر. لم يتحرك أي جندي من مكانه. اقترب من نهاية الصف، وضع بندقيته على رأس جنديٍّ يافع؛ ترقرقت عيناه، وتململ في حركته، ورفع يده ببطء نحو البندقية. نظر الجنرال بترقب متعطش، وانتهره بحسم: “انتباه أيها الجندي”. عاد صنماً، فأطلق عليه النار. واصل حتى النهاية، ولم يجرؤ أحد على الحركة.

بقي ينظر للجثث المكومة على هيئة صف واحد، متعجباً من قوة الأوامر التي يمكن للجندي أن يتبعها. نظر إلى وجه الجندي الشاب متحسراً، وتذكر لحظاته الصغيرة التي حاول فيها الانتفاض. ثم ذهب إلى مكتبه الراقي، وجلس على كرسيه المريح ليواصل كتابة كتابه عن فلسفة الحرية.

تحسر على سنواته الضائعة وهو يجري تجربة عملية عن اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يتمرد، وكيف يمكن لتلك اللحظة أن تعيد ضبط كل شيء في عقله وتحويله لكائن آخر؛ فالولادة هي تمرد على السجن والبقاء داخل الرحم، ولولا رفض الجنين لوضعه لما وُلد قط. وللسبب ذاته، كان يؤمن أنه لا يمكن لمن وُلد قيصرياً أن يتمرد قط أو يخرج عن المألوف، وإلا، لماذا لم يرَ قيصر الروم خيانة بروتس طوال كل ذلك الوقت؟.

طوال فترة عمله العسكري، ظل يختبر هذه التجربة، وقتل آلاف الجنود والمواطنين، حتى أصبح جنرالاً. لم يكن يرغب في أن يصبح جنرالاً؛ كل ما أراده هو الوصول لنتيجة لبحثه الذي بدأه في الجامعة حين درس الفلسفة، لكنه كان مقدر عليه أن يصبح جنرالاً.

مضى بالأمور إلى أبعد من ذلك، فقرر أن يتحول إلى طاغية ويبصر لحظة التمرد بنفسه. نجح انقلابه، ولم يعارضه أحد، وظلم وقهر كما يريد. وفي النهاية، وبعد كل شيء، مات على فراشه الناعم كئيباً حزيناً وهو بطل قومي، ومحرر، وصانع أمجاد، ورجل بحجم وطن.

في كلماته الأخيرة قال: “إلى الجحيم، لا أحد يتمرد؛ حتى أنا فشلت. فلو تمردت على مشروعي لنجحت في الرؤية. لا عاش من خضع”.


محمد عبدالعظيم كمال الدين

طبيب سوداني له العديد من القصص المنشورة على توهان وعلى منصات اخرى. من فراير نشر أول رواية له وهي صانع السلطة. رواية قصيرة ممكن تحميلها من

http://noor-book.com/enyqkr7