كان رجال البلدة يقضون معظم أمسياتهم في مقهى شعبي يسوقهم الاعتياد للقاء ملامحٍ ألفوها قبل أن تألف لحيهم الشيب؛ في زوايا ذلك المقهى المهترئ، كان الرجال يجدون النافذة الوحيدة المشرعة على حياةٍ تشبههم في ذبولها. كل مساء ترى نفس الوجوه الفاقدة لألوانها، تكاد وجوههم أن تكون بنفس درجات ألوان أثاث المكان من طاولات وكراسي باهتة. في مقهى غسان يلعبون الورق والرقعة، لكن الجوائز غالباً ما تكون غير مادية؛ هذا بائع فواكه يعطيك بطيخة، وإسكافي يتعهدُ بشدّ أزر حذائك البالي ليمشي بك أميالاً أخرى من الصبر، وهذا صاحب المقهى يهتف: “القهوة على حسابي، لا لن أدفع ثمن عصير البرتقال الذي طلبته يا محمود”، و تنفجرُ على إثرِ كلماته ضحكاتٌ هادرة، تترددُ أصداؤُها بين شقوق الحيطان المقشرة. بهذا الفعل يبيحون لأنفسهم المقامرة. لا تطأ هذا النوع من الأماكن أقدام إناث سوى نادلات في سراويل جينز ضيقة، غير أن هذا المقهى بالذات لم تعمل فيه فتاة عشرينية تضج الأنوثة من سروالها، بل عمل فيه “السي مصطفى”، وهو رجل طويل منحني الظهر، ذو بشرة سمراء نحاسية، نحيف لدرجة أن عظام صدره تبرز من تحت قمصانه الصيفية.
في طفولته، درس “السي مصطفى” في “المسيد”؛ إذ كان يطمح لأن يصبح إمام مسجد، بيد أنه تعثر في سعيه وراء حلمه عند عتبة باب أرملة السيد منصور، وشاع بين الناس خبر غوايتها له، وهي امرأة قيل عنها إنها متحررة وكأن الحرية تقاس بمقدار بياض ثوب الحداد. تحذر الأمهات بناتهن من أن يصبحن مثلها، ويغفلن عن تحذير أبنائهن من أن يحذوا حذو عشاق أرملة السيد منصور؛ فالمرأة أخذت من الدين عبارة واحدة تضمن لها البقاء: “الرجال قوامون على النساء”، هذا يدفع إيجارها، والآخر يشتري لها ذهباً، وهكذا حولت قلة حيلتها إلى سلاح ينهب جيوب الطامعين في ودها.
بعد أن مزق الخبر مسامع والد مصطفى، نفاه إلى مدينة فاس حيث كنف جده، ليتعلم من أخواله حرفة النجارة ولكي يتكفل بُرود المدينة بإطفاء نار فضيحته، لم يَطُل الوقت حتى استبد به الحنين، اشتاقت عينا مصطفى لخضرة مروج القرية هناك حيث لا تتحارب الأنوف على الهواء، هناك حيث يرى السماء كاملة لا تحجبها المباني الإسمنتية، فتوسل إلى أبيه ليسمح له بالعودة إلى البيت. وافق الأب على عودته بعد أن طأطأ مصطفى رأسه لشروط العودة، اشترط عليه الأب أن يمتهن أي مهنة وأن يُصمت ذلك الصوت الذي يحثه على تخيل نفسه إماماً متعليا المنبر. “إن سامحك الله، فهل ستسامحك القبيلة؟”. أهل البلدة لن يغفروا لإمامهم، فمن سيرغب في إمام مدنس يقود صلاتهم؟ وكأن صلاتهم خلفه ستفقد بركتها إذا ما تذكروا طيف الأرملة، فهل لمن لا يتحكم في غرائزه أن يحكم بين الناس؟
في القبيلة لا يهم إن كنت تشرب البيرة بدل مياه الآبار، المهم ألا تطفو رذائلك فوق المياه كجثة مهاجر غير شرعي لا ذنب له سوى أنه أراد أن يرى الحياة من منظور مغاير. يكفيك أن تبلل أطرافك بوضوء الفجر ليُغضَّ الطرفُ عن يدك التي تعبث بكفتي الميزان، وعن عينك التي تشتهي أجساد الفتيات الصغيرات. سيحكم ناس القبيلة على طهارة روحِكِ بطول القماش الذي يمسح الغبار خلف قدميكِ، إن اعتمرتِ خرقة بيضاء فأنت نقية كمريم عيسى، حتى وإن كنت تقضين لياليك بين بخور العرافات وهمسات الشياطين. لقد حوّلت القبيلةُ التكرارَ إلى قداسة؛ فما إن يعتاد الناسُ على القبح حتى يلبسوه ثوب الصواب. فإذا كان السوطُ لغةَ التفاهم الوحيدة بين رجال القبيلة ونسائهم، هل يغدو العنفُ ديناً مُتّبعاً؟ و يقفُ الرجلُ الرقيقُ بينهم كغريبٍ منبوذ، يُتهمُ في فحولته لأن يده لم تمتد على امرأة يوماً.
منذ أن عاد مصطفى من فاس شغل وظائف عدة؛ عمل كفلاح في أرض والده دون أجر سوى سقف يقيه من حر الشمس وبرد الشتاء، وكسرة خبز بها مسحة زيت زيتون. استغل مصطفى ما تعلمه من فن النجارة في فترة مكوثه مع جده وعمل مع نجار يده مغلولة أكثر من والده، وكان يقضي استراحات غدائه في صنع حيوانات صغيرة من بقايا الخشب ويرسلها مع صبي لفتاة تدعى ليلى كرسائل حبٍّ منحوتة، لا تقرأها الأعين، بل تلمسها الأصابع، كانت تعيش مع أمها المطلقة في منزل جدها، كانت ليلى هي “المحراب البديل” لمصطفى، أشرقت في خياله كجائزةٍ بعيدة المنال، يحرسها تاريخ جدها الحافل بالرصاص والدخان في الحرب الكبرى. ذلك الجندي الذي تعلم في جبهات فرنسا أن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير. يدعي البعض بأنه خائن حارب مع العدو، بينما يحترمه الآخرون لجسارته في الحرب؛ فقبل كل شيء هو لم يختر مصيره. أن يحارب المرء من أجل وطنه هو أمر فيه شيء من النبل، على عكس أن يحارب في صفوف أعدائه.
كان الجد عجوزاً متسلطاً لا يمر يوم إلا وذكّر فيه ابنته أم ليلى بأن زواجها قد فشل لأنها اختارت الشريك الخطأ. على ما يبدو أنهم وقعوا في الحب منذ زمن طويل؛ كان والد ليلى يعمل بائعاً للسمك، امتزجت في قفة بقالة أم ليلى رائحة النعناع والكزبرة برائحة الحبر، كان بائع السمك يدس لها من ديوان المتنبي ما يزلزل الوقار بينهما. أحبا بعضهما البعض حباً جماً، لكن والدها الجندي كان رافضاً زواجهما. وبعد مرور سنوات طويلة علم فيها الصغير والكبير عن ولعهما، ذات يوم جمع بائع السمك كل شيوخ القبيلة وقصد منزل “الجنرال” محملاً بصندوق من قوالب سكر وصندوقان من سمك السردين وأخطبوط كبير الحجم. وافق الجنرال على زواجهم إكراهاً، لكن لم يمضِ على زفافهما سوى عامين وافترقا. تزوج بائع السمك من بعدها ثلاث مرات، و باءت كل زيجاته بالفشل لأنه كان يبحث عن الحب الذي لا يندثر مع مرور الزمن، ذلك الحب الكبير وتلك النظرات الخاطفة التي تسبب رعشة تسري في الجسم كله. أما ابنة الجندي فأضربت عن الرجال والحب وصدت الخاطبين؛ هي كذلك لا تريد من الحب سوى بداياته، لأن الحب لا يدوم. كانت تؤمن بأن العلاقات التي تدوم تكون خالية من الحب، فبعد أن يتبدد الحب تبقى الوناسة والألفة والخوف من الوحدة. الشجعان من الناس هم فقط من يلجؤون للطلاق حين يغيب الحب؛ هل هم فعلاً شجعان أم أنهم وقعوا ضحية للحب الرومانسي الذي يقرؤون عنه في الكتب ويرونه بأم أعينهم في السينما؟
المعضلة تكمن في تصور الشخص للحب وكونه مثالياً طوباوياً لا تشوبه شائبة، وأن الشخص المناسب له سيكون معصوماً من الخطأ في حقه. هل لإنسان هذا العصر أن يجد حباً كهذا مع ازدياد فرصه لمقابلة الشخص المناسب؟ أم أن وفرة الفرص هي ما يجعل الشخص في حيرة من أمره، لا يرضى بما يوجد في طبقه من حب محتمل؟ إن كثرة الفرص هي التي تدخل الإنسان في دوامة من المقارنات اللامتناهية؛ هي فكرة أن هناك دائماً شخصاً أذكى، أجمل، أو أغنى، هي ما يجعل الاستقرار مع شريك واحد أمراً عسيراً. هل بالفعل هناك شخص لكل شخص، أم أن الحب يكون مبنياً على الاختيار؟
في تلك الفترة حتى الشمس كانت تبدو غريبة على وجه ليلى، فهي لا تبصرها إلا في رحلتها الأسبوعية نحو الحمام. كان يوم الأحد هو الثغرة في قانون جدها الصارم. يحضر مصطفى الذي كان في أوائل عشريناته كل أسبوع دمية خشبية صغيرة على شكل أحد الحيوانات، ويعطيها لصبي صغير لا زالت طفولته تشفع له بولوج حمام النساء، فيخبئ الطفل المجسم الخشبي في رزمة ملابس ليلى، وإن وجد الفرصة يعطيها لها يداً ليد. هي كانت تعلم أن مساعد المعلم عبد الله النجار هو من كان يرسل لها تلك الهدايا البسيطة؛ آنست في فعلِهِ نبلاً أسرَ قلبها، فبعثت إليهِ ببرتقالة زكيةٍ كعلامةِ قبولٍ وإعجاب. مرت خمسة أشهر على هذا الحال، أرادت فيها ليلى أن تلتحق بالجامعة أرسلت لمصطفى مكتوباً مفاده أن جدها يرفض التحاقها بالجامعة ويحثها على الزواج. وفي صيف ذلك العام، دق بابها خاطب يعيش في أوروبا؛ في بادئ الأمر ثارت وأقسمت على الهروب من البيت ما إن أرغموها على الزواج منه، إلا أنها وافقت على غير هدى في الأخير. أمطرها خطيبها ذهباً كما أمطرها مصطفى خشباً، فمن يزن أكثر يا ترى؟ الذهب أم الخشب؟ إن كان الماضي قد علم الجد أي شيء فسيكون أن الزواج لا يبنى على شعور زائل كالحب؛ كانت ويلاتُ الحربِ وجراحُها أهون على قلبه من وقعِ طلاقِ ابنته. ففي أعرافِ الريف يعد الطلاق وسماً لا يمحى، وعقوبةٌ تُنفذ في حقِّ النساء وحدهنَّ، لأن الرجال لا يعابون وإن عيبوا فعلى المرأة بالصبر. لم يكن جدها ليسمح لها بالزواج من مصطفى على أية حال، لذلك لم تحاول أكثر من أجل ذلك الحب. وهل كان ذلك حباً في الأصل؟ فهما لم يسبق لهما أن تحدثا لأكثر من سبع دقائق. هل يحبان بعضهما البعض أم يحبان النسخ الكاملة التي نسجها خيالهما؟ سافرت ليلى مع زوجها بعد انتهاء الصيف، لكنها ستتذكر دائماً مصطفى النجار الذي وقعت في حبه في صباها.
بعد هذه الواقعة بحوالي العام، وفي فجر أحد أيام يناير القارسة، كان مصطفى يقطف حبات الفول مع أمه قبل أوان نضوجها لأنهم سمعوا أن الخنازير البرية تداهم الحقول بعد الغروب. قال لها بغتة: “أمي، أرغب في الزواج”. لم تصدق الأم مسامعها وأطلقت زغرودة مدوية أخرجت الطيور من أعشاشها. وبعد شهرين من البحث والتنقيب والاختيار، وجدت له أمه العروس المثالية؛ فتاة في السابعة عشرة، صهباء، مكتنزة القوام، شعرها الطويل يتدلى من تحت غطاء رأسها كخيوط ليل ناعمة تتسلل لتستلقي على ظهرها. كان يوم زفافهما هو أول مرة يرى فيها مصطفى شريكة حياته. استقرا في غرفته القديمة بدار والديه، تلك الغرفة التي شهدت أحلام عزوبيته أضحت مسكناً لهما، ولم تمر سوى عشرة أشهر حتى جاءت “زينب” لتمنح لمصطفى لقب الأب.
في ذلك الوقت كان المال ضئيلاً، وخصوصاً بعد وفاة والد مصطفى، الذي يقال إنه بينما كان يلفّ حبل السيطرة حول إصبعه، باغتت أفعى بَقَرَته. في لمح البصر، تحول الحبل إلى قيد، والضفة الصخرية إلى مقصلة، جرّته البقرة نحو الموت، وعندما سكنت، كان هو قد استقرّ في صمتٍ أبدي… يحكي هذه القصة فلاح كان يسقي بستانه ذلك اليوم، يحلف بأنه حاول اللحاق بالبقرة لكنها كانت سريعة وجامحة، فلم يكن بوسعه فعل شيء إلا أن ينادي أهل القرية ويذبحوا البقرة ليقيموا جنازة أبي مصطفى. بعد هذه الحادثة المريرة، اضطر مصطفى إلى السفر للمدينة ليجد لنفسه عملاً يسد به جوع عائلته. عمل في مصنع معلبات حقير؛ كان يقضي نهاره في العمل وليله في بيت الخالة سميرة، لم يترك مصطفى صنفاً إلا وعاشره؛ من الطويلة إلى القصيرة، ومن السمار إلى البياض. أهدته تلك الليالي كل لذّاتها، لكنها تركت في دمه ختماً لا يزول، أصابته عدوى مرض الزهري وعاد لقريته بعد اثنتي عشرة سنة عليلاً، ومنذ ذلك الحين امتنع عن مشاركة زوجته الفراش. كانت أمه تقول له إن الشرع يحل للرجل الزواج من أربع، فإن ملّ زوجته يمكنها أن تأتي له بواحدة أصغر وأجمل منها، وإن كبرت الأخيرة وذبلت ستحضر له زوجة أخرى، وهكذا حتى ينال ما يستحق من النساء. ورغم إلحاح أمه المستمر امتنع مصطفى عن الزواج مرة أخرى؛ لأن الذنب كان ينهش روحه كما ينهش الزهري قلبه وعقله. عاشت زوجة مصطفى بقية أيامها تحاول كسب رضاه لاعتقادها أنها هي من اقترفت خطأ جسيماً يصعب على زوجها مسامحتها عليه.
فتح أحد أصدقاء مصطفى أول مقهى في البلدة، وشَغَّل معه مصطفى. في أول سنوات تشييده كان المقهى لا يخلو من الرجال ولا ترتاح كراسيه. مرت السنوات كدخان السجائر في مقهى غسان فيها غزا الشيب ما تبقى من رأس مصطفى ولم يعد ذلك الشاب المغامر بل صار “السي مصطفى”. تخرجت ابنة السي مصطفى الوحيدة من كلية التمريض واشتغلت في مستشفى المدينة الإقليمي. يحب مصطفى ابنته حباً جماً رغم أنه لم يصغ ذلك في كلمات من قبل، لكنه كان يؤثر تلبية حاجياتها المدرسية على شراء سجائره و هذا أقسى ما قد يقدمه المدمن لمن يحبه. خلال سنوات دراستها، أدركت زينب أن الدواء الذي يتناوله والدها ليس لعلاج ضغط الدم كما يزعم، بل هو علاج لداء الزهري. لكنها اختارت ألا تواجهه بالحقيقة، وقررت أن تبقي هذا السر حبيس صدرها إلى نهاية العمر. لم يكن مصطفى يعلم تحديداً ما الذي تدرسه في تلك الجامعة البعيدة حتى يوم تخرجها. ورغم أنها كانت تعيد على مسامعه اسم تخصصها في كل عطلة، إلا أن لسان “السي مصطفى” الذي اعتاد لغة المقاهي البسيطة، كان يستعصي عليه تذكر تلك المصطلحات الفرنسية الطويلة. استأجرت زينب منزلاً صغيراً في المدينة بأول راتب لها وأخذت معها أمها لتعيش معها، لكن أباها وجدَّتها رفضا أن ينتقلا للمدينة. في المدينة يرى الناس من الغرباء يومياً ما قد يراه الإنسان البدوي القديم في عمره كله؛ أبواب مغلقة ومباني إسمنتية عملاقة ووجوه غريبة لكل منها قصته وحياته الخاصة، إنجازاته ومشاكله. يصعب على العقل أن يدرك أن لكل من المارة حياة بنفس تعقيد حياته. كانت فكرة التغيير تبث الرعب في قلب كل من مصطفى وأمه، لذا اختار مصطفى أن يقضي بقية عمره بين أصحابه في المقهى وأمه في البيت.
مرّت سنواتٌ عِجاف من الكدّ، اعتصرت فيها ابنة مصطفى رحيق شبابها لتجمع مالاً يغسلُ عن والديها ذنب السنين، أرسلتهما في عمرة لبيت الله، لعلّها تشتري لهما بها تذكرة للسكينة التي افتقداها في زحام الشقاء. استقلّ “السي مصطفى” الطائرة، وبجانبه زوجته التي غدت كبلادٍ غريبة لا يربطه بها سوى جواز سفرٍ قديم -عقد زواجهما- كانت الزوجة تتعبد الله في حسن رعايته، فزهرة شبابه قد ذبلت قبل زهرتها. كانت الابنة تدركُ في قرارتها أن أباها لم يكن ذلك القديس الذي يتوهمه الناس؛ فخلف المئزر الذي يرتديه في عمله، اختبأت ذنوب لا يعلمها سوى خالقه.
عادوا من مكة طاهرين كما ولدتهم أمهاتهم، اشترى لهم مال ابنتهم صكوكاً للغفران، وتهافت أهل البلدة من كل فجٍّ ليباركوا للحجاج ويأخذوا من بركتهم المزعومة، وفي صباح سبتٍ رتيب، دقّ الباب جمعٌ من المهنئين، فاستقبلتهم زينب في ردهة البيت ومضت تبحث عن أبيها، لم تجده في الحديقة فذهبت لغرفته لتجده ممدداً فوق سريره، منكفئاً على نفسه في وضعيةٍ جنينية، وكأنه يحاول العودة إلى رحم الأرض. هتفت باسمه وعندما لم ينفعها النداء وارتبدّ صدى صوتها مخذولاً، لمست جسده وجدته قد استحال إلى شاهد قبر بارد وصلب. رحل السي مصطفى أثناء نومه في رحلة أبدية صامتة، استسلم جسده الهزيل للموت كما تستسلم الأوراق للبلل.
بعد أن واروهُ الثرى، وضعت أمه في غرفته زبدية من الماء وأوقدت شموعاً حرصت على عدم انطفائها، جعلت من ابنها قديساً ومن غرفته ضريحاً لا للعبادة بل للذكرى، استمر الطقس لثلاث ليالٍ، كانت تؤمن هي وقبيلتها أن روح الميت الظمآنة تعود لتشرب من ذلك الماء، لكن السي مصطفى لم يعد بل مات كما كان مقدراً له، مات كما سنموت كلنا يوماً. اعتزلت زوجته الحناء أربعة أشهر حتى تنفس الشيب من تحت غطاء رأسها، وتخلت ابنته عن زينتها لشهر كامل، حداداً على رجلٍ لم يعرفوه حقاً. وبعد عامٍ، كانت الذاكرة الجمعية للقبيلة قد نسيت، غسلوا خطاياه بماء التقديس، وصار يُذكر في المجالس بالرجل الصالح، مات “السي مصطفى” الحقيقي، ومُجّدت النسخة التي اخترعوها له؛ انتصر أناه الأعلى في النهاية، واستقرت سيرته في هامش النسيان.
هدى الرابحي
طالبة في كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس، شاعرة وقاصة تكتب باللغتين العربية والإنجليزية، تسعى لدمج الرؤية الفلسفية بالفن السردي والتشكيلي